ابن قيم الجوزية
316
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فالمنهي عنه : كقوله تعالى : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا [ آل عمران : 139 ] وقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [ النّحل : 127 ] في غير موضع ، وقوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التّوبة : 40 ] والمنفي كقوله : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 38 ] . وسر ذلك : أن « الحزن » موقف غير مسيّر ، ولا مصلحة فيه للقلب . وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزّن العبد ليقطعه عن سيره ، ويوقفه عن سلوكه . قال اللّه تعالى : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ المجادلة : 10 ] ونهى النبي صلى اللّه عليه وسلم الثلاثة « أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث ، لأن ذلك يحزنه » . فالحزن ليس بمطلوب ، ولا مقصود ، ولا فيه فائدة . وقد استعاذ منه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال « اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن » فهو قرين الهم . والفرق بينهما : أن المكروه الذي يرد على القلب ، إن كان لما يستقبل : أورثه الهم ، وإن كان لما مضى : أورثه الحزن . وكلاهما مضعف للقلب عن السير ، مفتّر للعزم . ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع . ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن ، كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم . وأما قوله تعالى : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ( 92 ) [ التّوبة : 92 ] فلم يمدحوا على نفس الحزن . وإنما مدحوا على ما دلّ عليه الحزن من قوة إيمانهم ، حيث تخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعجزهم عن النفقة . ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم ، بل غبطوا نفوسهم به . وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : « ما يصيب المؤمن من همّ ولا نصب ، ولا حزن إلا كفّر اللّه به من خطاياه » فهذا يدل على أنه مصيبة من اللّه يصيب بها العبد ، يكفر بها من سيئاته . لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه . وأما حديث هند بن أبي هالة ، في صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنه كان متواصل الأحزان » فحديث لا يثبت ، وفي إسناده من لا يعرف . وكيف يكون متواصل الأحزان ، وقد صانه اللّه عن الحزن على الدنيا وأسبابها ، ونهاه عن الحزن على الكفار ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ فمن أين يأتيه الحزن ؟ . بل كان دائم البشر ، ضحوك السّن ، كما في صفته « الضّحوك القتّال » صلوات اللّه وسلامه عليه . وأما الخبر المروي « إن اللّه يحب كل قلب حزين » فلا يعرف إسناده ، ولا من رواه ، ولا تعلم صحته . وعلى تقدير صحته : فالحزن مصيبة من المصائب ، التي يبتلي اللّه بها عبده . فإذا ابتلي به العبد فصبر عليه ، أحب صبره على بلائه . وأما الأثر الآخر « إذا أحب اللّه عبدا ، نصب في قلبه نائحة . وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه